محمد أبو زهرة

1397

زهرة التفاسير

هوى المال ، وأن يضبط نفسه فلا يفر في لقاء ، والتقوى تتقاضى التوكل بعد الأخذ في الأسباب ، والاعتماد على القوى القهار الغالب على كل شئ ، فبالتقوى والصبر تفيض الروحانيات المؤيدة التي هي مدد اللّه من الملائكة . ومعنى وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ أي من ساعتهم ، والأصل في الفور أنه مأخوذ من فوران القدر ، ونحوها ، ثم استعير للسرعة ، ثم صار بمعنى التعقيب وعدم التراخي ، ويطلق على كل حال لا تأخير فيها ولا بطء . ومعنى مُسَوِّمِينَ أي مكلفين أو مرسلين . ومعنى النص الكريم : إن تصبروا وتتقوا ويأتوا من ساعتهم وقد استعددتم له أتم استعداد ، فإن اللّه - تعالى - ممدكم بخمسة آلاف من الملائكة - يرسلها تأييدا لكم . ولقد قرر بعض العلماء أن اللّه أمد المؤمنين في بدر بالملائكة ، ولم يمدهم بها في أحد ، وقد قال في ذلك الطبري : إن اللّه أخبر عن نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه قال للمؤمنين : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ، ثم وعدهم بعد الثلاثة آلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم ، ولا دلالة في الآية على أنهم امتدوا بالثلاثة آلاف ، ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف ، ولا بالخمسة ، وغير جائز أن يقال في ذلك إلا بخير تقوم الحجة به ، غير أن في القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف ، وذلك قوله تعالى : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) [ الأنفال ] أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا ، وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم » . ونحن نوافق شيخ المفسرين في ذلك ، ذلك أن شرط الإمداد كان الصبر والتقوى ؛ والصبر أي ضبط النفس لم يكن من الرماة الذين أمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يحموا ظهر المؤمنين ، فلا يتحركون سواء أكانت الجولة الأولى للمؤمنين أم كانت عليهم .